Translate

sábado, 11 de octubre de 2014

خطبة الجمعة 21



من كنت مولاه فهذا علي مولاه :

في خطبة الجمعة لهذا الأسبوع والتي أقيمت بمركز الإمام الهادي ببرشلونة، تناول فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني، رئيس المركز وخطيبه بالدرس والتحليل مضامين مناسبة عيد الغدير، انطلاقاً من قول النبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة والسلام : « من كنت مولاه، فهذا علي مولاه ».

ذالك وبعد حمد الله والثناء عليه بما يليق بجلال وجهه، والصلاة على النبي الأكرم وآله الأطهار، وتذكير الحاضرين بأهمية تقوى الله سبحانه وتعالى...

استهل فضيلته الخطبة الأولى بالحديث عن واقعة الغدير والظروف المحيطة بها، حيث نبه الى أن النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لما فرغ من مناسك حجة الوداع أو حجة الإسلام، وذالك في السنة العاشرة للهجرة، حيث كان عائداً الى المدينة ومعه جمع غفير من الناس، قدره بعض المؤرخين بمائة ألف أو يزيد، أمر كل من معه من المتقدمين والمتأخرين بالتوقف حيث انتهى بهم الوقوف، وذالك عند منطقة غدير خم من الجحفة، وهي نقطة تفترق فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وكان ذالك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، يوم نزل اليه جبريل مبلغاً عن الله وحيه القائل : ﴿ يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس ﴾. المائدة. 67. فقام النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام خطيباً في الناس بعد أن فرغ من صلاة الظهر جماعة، فحمد الله وأثنى عليه... وأخبر الجميع بأنه يوشك أن يدعى فيجيب، وأنه مسؤول وهم مسؤولون، فسألهم ما أنتم قائلون؟ فشهدوا أنه قد بلغ ونصح وجاهد وأدى الأمانة... ثم أشهدهم على أنفسهم بشهادتهم لله ولرسوله، فأقروا بذالك على أنفسهم، ثم  سألهم عن أولى الناس من المؤمنين بأنفسهم، فأقروا بأنه مولى كل الناس بعد أن أخبرهم بأن الله مولاه، وهو مولى الناس وأشهدهم على ذالك.

ثم بعد ذالك أوصاهم بكتاب الله وعترة بيته، وبعد ذالك رفع يد أمير المومنين علي عليه السلام الى السماء حتى شوهد بياض آباطهما، فعرفه الناس أجمع، ثم قال :  « إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه » وفي رواية فهذا علي وليه. فأقر الجميع بذالك، وشرعوا يهنئون علياً عليه السلام بقولهم : بخ بخ لك يابن أبي طالب، لقد اصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة، وعلى رأس المهنئين وممن تقدم الجمع، أبو بكر وعمر...

بعدها نزل القرآن الكريم يبارك هذه الخطوة بآية إكمال الدين : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ﴾. المائدة. 3.

هذه هي القصة باختصار يضيف فضيلة السيد، ومن أراد أن يقف على بعض التعليقات المرتبطة بملابسات الواقعة، فليرجع الى كتابنا : قصتي مع الغدير، لكننا سوف نكتفي في هذا المقام بالتنبيه الى بعض الأمور فقط، وهي :

أن مكان وزمان إلقاء الخطبة، يعبران عن أن الحدث كان عظيماً يتجاوز ما ذهب اليه البعض من أن المسألة كانت مرتبطة بإعلان النبي محبة علي عليه السلام على الملأ.

أن هذا الحادث اعتبر بعد ذالك عيداً للمسلمين، لما في الحدث من رمزية إكمال الدين وتمام النعمة، ولما له من أهمية في الإطمئنان على مستقبل الدولة الإسلامية بعد تولية ولي العهد، وتفادي ما يسمى في التشريعات الحديثة بالوقوع في الفراغ الدستوري.

أن الإقرار والإشهاد الذي سبق هذا التعيين والذي أخذه النبي على كل من حضر، وعلى كل المسلمين من ذريتهم، لم يكن عملاً عفوياً، وإنما الغاية منه كانت إقامة الحجة على الجميع، حتى لا يأتي يوم لقاء الله من يقول : إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقول إنما فرط آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، وهو إقرار على غرار الإقرار الوارد في قوله تعالى : ﴿ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ﴾. 172. 173.

أن كل من حضر وفرط وبدل إشهاده وإقراره، وكل من دان بدينه، سوف يحاسب على هذا التبديل يوم لقاء الله.

أن السقيفة باعتبارها الحدث أو الامتحان الذي كان لا بد منه، لامتحان مستوى إيمان وأمانة كل من حضر الغدير، تعتبر تجاوزاً آخر على أوامر الله ورسوله، والذي ينضاف الى سلسلة التجاوزات السابقة.

أن ما يعيشه المسلمون اليوم من ضلال وتيه كتيه بني إسرائيل، إنما هو من ثمار مخالفة أوامر الله ورسوله الواقعة في السقيفة، ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ﴾. الأحزاب. 36.

لذالك فالحدث كان نقطة تحول جذرية في حياة المسلمين، فلو أن المسلمين أطاعوا الله ورسوله في ذالك، لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا وبدلوا فأخذهم بما كانوا يكسبون، من هنا تظهر أهمية الاحتفال بهذا اليوم العظيم كعيد للمسلمين، حتى لا تطال هذا الحدث العظيم يد التشويه والتخريب والتزوير، رغم امتلاء كتب المسلمين وفي شتى الأغراض بروايته، وإنما كان غرض من يدعي بأن هذا الاحتفال هو بدعة، الإجهاز على ما تبقى من هذا الحدث، وإكمال عملية الإنقلاب.

وأما الخطبة الثانية، فقد خصها فضيلة السيد بالحديث عن مشروع وحلم الوحدة الإسلامية، حيث نبه فضيلته الى أن حلم الوحدة الاسلامية بالنسبة لمن هو صادق في ذالك، ولا يستعمله كشعار يزايد به في الحقل المذهبي، إنما يبدأ بإعادة الاعتبار لحادث الغدير، والإقرار بأن ما جرى من أصحاب السقيفة، إنما كان نبذاً للعهد الذي قطعوه على أنفسهم في غدير خم، نبذوه وراء ظهورهم، فضلوا الطريق وضلت الأمة معهم، لذالك فالوحدة الاسلامية يجب أن تبنى على قاعدة تفعيل مقتضيات الغدير، وإلا فإن أولى بالناس أن ينادوا بالتعايش إذا لم تكن لهم الجرأة لإعادة الاعتبار للغدير، وإقراره عيدا في المسلمين قاطبة.

إن كل التأويلات التعسفية للغة خطاب الغدير، كانت الغاية منها خدمة مشروع العودة بالاسلام الى الجاهلية الأولى، وأي استمرار في ذالك، هو استمرار في خدمة هذا المشروع ضداً على مصلحة الاسلام والمسلمين، من هنا فالاحتفال بعيد الغدير، غايته كانت ولا زالت فضح هذا المشروع التآمري ينهي فضيلة السيد.

lunes, 15 de septiembre de 2014

خطبة الجمعة 20



الدعوة عمل وليست مجرد تنظير :

في خطبة الجمعة لهذا الأسبوع والتي أقيمت بمركز الامام الهادي ببرشلونة، تناول فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني خطيب المركز ورئيسه بالدرس والتحليل موضوع : الدعوة عمل وليست مجرد تنظير، انطلاقاً من قول الله عز وجل : ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾. طه. 132.

ذالك وبعد حمد الله والثناء عليه بما بليق بجلال وجهه، والصلاة على النبي الأكرم وآله الأطهار عليهم السلام جميعاً، وتذكير الحاضرين بضرورة تقوى الله، باعتبار أن التقوى مفتاح التعلم في شتى المجالات، ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله ﴾. البقرة. 282. انطلق فضيلته في الخطبة الأولى، حيث استهلها بمقدمة تطرق فيها الى اعتبار كون كل الوافدين على المركز يجب أن يعوا بأنهم رسل المركز لدى أسرهم ومحيطهم، وعلى عاتقهم تقع مهمة تبليغ ما نصطلح عليه بالخط الثقافي للمركز الى الأسر والمحيط، إذ أننا في المركز لا ننطلق في عملنا من موقع الصدفة، وإنما نشتغل في إطار مشروع مجتمعي، وهذا المشروع له استراتيجية محددة، واستراتيجيته تكمن في أن يصبح الإسلام المحمدي الأصيل رافداً من روافد هذا المجتمع، يدافع عنه المجتمع ويتبناه كتبنيه لباقي الروافد الأخرى وإن لم يعتنقه، ولأداء هذه الرسالة على أتم وجه، يجب الاشتغال ضمن منهج محدد، ولعل أفضل منهج في هذا السياق، هو المنهج العملي، أي أن نكون رسلا عمليين، أن نمارس الدعوة بأعمالنا وليس بأقوالنا، أن نتلبس بما ندعوا الناس اليه قبل غيرنا، أن نعكس على أرض الواقع ذالك التوافق القائم نظرياً ما بين قيم الاسلام التي نحمل وقيم المجتمع، تطبيقاً للتعليمات الواردة في الآية التي بين أيدينا، وسيراً على الهدي النبوي وهدي العترة الطاهرة، لأن الدعوة العملية هي أكثر مصداقية من الدعوة القولية، وهي أكثر تأثيراً في المحيط

ولقد كان هذا المنهج توجيهاً قرآنياً، وعليه سار الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام جميعاً، إذ أنهم كانوا يبدؤون بأنفسهم وبيتهم قبل غيرهم، فكانوا يتمثلون ما يدعون اليه من تعاليم في سلوكهم وتصرفاتهم... قبل الآخرين، ذالك لأن المنهج العملي في الدعوة هو أقرب الى النجاح من كثرة الكلام والتنظير، ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً ﴾. مريم. 54. 55.

وهو نفس الأمر الذي سلكه الأئمة عليهم السلام وأوصوا به أتباعهم، إذ أننا نجد أن الامام جعفر الصادق عليه السلام يوصي بذالك قائلا : « كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم ». ولقد كانوا سلام الله عليهم كذالك، فكان بذلهم وعطاؤهم يطال كل من يقترب منهم، ورحمتهم وعطفهم وعلمهم يسع كل الناس، وأخلاقهم ولينهم وتقربهم الى الناس بالحسنى... انتفع منها العدو قبل الصديق.

وفي نفس السياق نجد رواية أخرى للإمام أمير المومنين علي عليه السلام تسير في اتجاه التأكيد على نفس المنهج، حيث يقول سلام الله عليه : « أيها الناس، إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها ». وذالك بالتأكيد ما جعلهم يكتسبون مصداقية مع جميع الناس، بما في ذالك الخصوم والأتباع.

وهذا هو المطلوب منا بالتحديد أن نقوم به، أن نتخلق بأخلاق الاسلام في ذواتنا، وأن نتلبس بما نحمل من أفكار في أفعالنا قبل أن نطالب غيرنا بذالك، وأن نترجم خطنا الثقافي الى واقع عملي يسير بين الناس، أن نشتغل على أرض الواقع بأعمال واضحة للعيان، لأن التنظير مهما كان جميلاً، فإنه سرعان ما يتبخر إن لم يصدقه العمل، لذا يجب أن يكون شعارنا المرحلي : كثير من العمل وقليل من الكلام، فلقد تكلمنا بما فيه الكفاية، وتحدثنا عن أنفسنا بالقدر الكافي، فلنترك الفرصة للعمل كي يتحدث عنا، ولا شك أنه سيقوم بدوره أفضل من الكلام.

وأما الخطبة الثانية، فقد نبه فيها فضيلة السيد الى أن المنهج العملي في الدعوة، هو ضرورة يفرضها الواقع كذالك، ذالك أن المجتمع الذي نعيش فيه، يولي أهمية للعمل أكثر من الكلام، إذ أن الناس لم يعد لديهم الوقت الكافي ليضيعونه في الاستماع الى التنظير، ولذالك نجد أن كل من يريد أن يوصل منتوجه الى المجتمع، يعمد الى إيصاله عن طريق الصورة الصامتة أو المرفوقة بشروحات طفيفة، لأن الصورة صارت أبلغ من أي تعليق أو كلام، وهو المشاهد حالياً في كل المجالات، والصورة تعني ترجمة للكلام واختزال له، أي تبني الجانب العملي في التبليغ، أي أن تترجم كل ما تريد قوله الى واقع عملي ينوب عن الكلام، لذالك كان من المفروض علينا أن نتكلم بنفس لغة المجتمع في الأداء، حتى تكون نسبة النجاح مرتفعة لدينا.

وهذا ما نسعى الى أن يتشبع به كل من يفد علينا في هذه المؤسسة، أن يفهم أن الوقت هو وقت عمل، فالمهمة صعبة جدة بحكم الألغام المزروعة في الساحة، وبحكم حساسية المرحلة، ولذالك لا بد وأن تكون أساليب العمل متطورة، تتماشى من جهة مع تقدم المجتمع، ومن جهة تعكس تطور المشروع الاسلامي وقدرته على مسايرة جميع المراحل، والا فإننا لن نستطيع مواكبة الركب إذا بقينا متمسكين بالأساليب القديمة والتي لم تكن في مجملها مرتبطة بمنهج الاسلام والنبي والعترة الطاهرة عليهم السلام ينهي كلامه فضيلة السيد.     

lunes, 1 de septiembre de 2014

خطبة الجمعة 19


آداب التعامل مع عترة النبي ( التأدب في المناداة ) :

في خطبة الجمعة لهذا الأسبوع والتي أقيمت بمركز الإمام الهادي ببرشلونة، تناول فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني خطيب الجمعة بالمركز ورئيسه موضوع : آداب التعامل مع عترة النبي وتحديداً التأدب في مناداتهم، انطلاقاً من قول الله عز وجل : ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾. النور. 63. إذ وبعد حمد الله والثناء عليه بما يليق بجلال وجهه، والصلاة على النبي الأكرم وآله الأطهار، وتلاوة سورة من القرآن الكريم، وتنبيه الحاضرين الى ضرورة تقوى الله عز وجل، باعتبار أن التقوى ليست غاية تنتهي عندها جهود المرء، وإنما التقوى زاد يتزود به المومن في سفره الى دار الخلود....
افتتح فضيلته الخطبة الأولى بمقدمة تمهيدية، تعرف بمكانة النبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة السلام وعظمته عند ربه، إذ أن الله جعل طاعته من طاعة نبيه، ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾. النساء. 80.  وجعل حب الله في اتباع رسوله، ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ﴾. آل عمران. 31.  وجعل الإيمان به جل جلاله مربوطاً بالإنقياد والتسليم لنبيه، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ﴾. النساء. 65. وهذا كله يدل على عظمة هذا النبي عند ربه ومكانته وقيمته لديه، وهو يستوجب احتراماً شديداً وتأدباً وتبجيلاً خاصاً من لدن المسلمين تجاهه، لما في هذا الاحترام والتأدب والتبجيل والتسليم... من التزام بأمر الله وطاعته، من ذالك التأدب معه في مناداته، إذ وتبعاً للتعليمات والتوجيهات الواردة في الآية موضوع خطبتنا، فإن الله عز وجل يوجه عباده بأن لا يجعلوا مناداتهم للنبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة والسلام كمناداتهم لبعضهم البعض، بحيث كما ورد عند عامة المفسرين من المدرستين، أن النهي متعلق بمناداة النبي بمحمد... وإنما عليهم أن ينادونه بنبي الله ورسول الله... وأن في مخالفة هذا الأمر وعيد شديد كما ورد في ذيل الآية الكريمة.
وهو نفس التأكيد الذي يسير في اتجاه احترام النبي الأكرم نجده قد تكرر في مواقع أخرى وبأغراض أخرى في القرآن الكريم، كتلك التعليمات التي افتتحت بها سورة الحجرات، ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم، إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾. الحجرات. 2. 3. 4. فكانت هذه التوجيهات بغاية أن يعلم الناس أن النبي وإن كان بشراً مثلهم، إلا أنه يسموا فوقهم لكونه نبياً مصطفى من عند الله وخيرته من خلقه، لذالك أوجب عليهم معاملة مميزة تجاهه، غايتها الاحترام والتوقير والتبجيل والتسليم والخضوع والإنقياد، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، ويجمع عليه كل المسلمين بالرغم من تجاوزه من لدن بعضهم في لحظة من لحظات التاريخ.
وما قيل في حق النبي الأكرم من ضرورة الاحترام والتأدب في المناداة... يقال في حق العترة الطاهرة من آل بيته، ذالك أن الإمامة امتداد للنبوة، ولكي يتسنى للإمام القيام بنفس دور النبي، من نصح وإصلاح وتبليغ... فإنه يجب أن يتمتع بكل مستلزمات ذالك، من طاعة وتكريم وتبجيل واحترام... كما أن توصيات المشرع الحكيم الواردة بشأن اتباع كتاب الله والعترة الطاهرة والانقياد لهما تقتضي ذالك أيضاً، إذ ما يقال في وجوب تعظيم القرآن الكريم المجمع عليه من لدن كل المسلمين، يقال أيضاً في حق العترة، ومن هنا سر اقترانهما في وصية النبي الأكرم بهما الواردة في الحديث النبوي الشريف : « ... وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترة أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ».
هذا بالنسبة لمن يعتقد بإمامة العترة الطاهرة، ولمن لا يعتقد بإمامتها فهو ملزم بالتقدير والاحترام... لهم أيضاً امتثالاً لقول ربنا جل وعلا : ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾. الشورى. 23. إذ أن مودتهم تقتضي تكريمهم واحترامهم... بقدر تكريم واحترام... من بسببه عظمت مكانتهم، وعلى هذا سار كثير من المسلمين، حيث كانوا ينادون الأئمة عليهم السلام بابن رسول الله.
كما أن غير الأئمة من العترة الطاهرة هم معنيون أيضاً بهذا الاحترام بحكم انتسابهم وصلتهم بالبيت النبوي، وهذا هو السبب في إفرادهم بموقع ومنزلة خاصة في بعض الأحكام الشرعية كما هو الشأن في مصرف الخمس... وعلى هذا الفهم سار العديد من المسلمين، إذ كانوا يخصون كل من ينتمي الى البيت النبوي من غير الأئمة بمعاملة متميزة، أساسها الاحترام والتقدير والتبجيل والتعظيم... والمغاربة لم يكونوا بدعاً من ذالك، فمنذ أن نزل بديارهم المولى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام وهم يهتمون بالعترة اهتماماً خاصاً، فقد رحبوا به وزوجوه من نسائهم، ونصروه وعزروه ووقروه، وكذالك كان تعاملهم مع نسله وعقبه، فكانوا يحبسون ويوقفون ممتلكاتهم على كل من ينتمي الى العترة من فرط حبهم لهم، وكانوا يميزونهم عن غيرهم في المناداة، فكانت كلمة ( الشريف ) لا تطلق الا على من ينتمي الى هذه الدوحة المباركة، وكل ما سجله المغرب من تقدم في تاريخه كان بسبب هذا الولاء، وهذه سيرة طيبة للشعب المغربي، وواجبنا أن نحافظ عليها ونعمل على إحيائها إذا أردنا النجاح في حياتنا اليومية والفوز في الدار الآخرة، إذ أن نجاح الأمم يكمن في تعظيم عظمائها وتقديرهم وتكريمهم.
وأما الخطبة الثانية، فقد ركز فيها فضيلة السيد الحديث على ضرورة الاستفادة من التجارب المحيطة بنا في هذا السياق، إذ أشار الى أن أحد أهم أسباب تقدم المجتمع الذي نعيش فيه، يتمثل في تعظيمهم لشخصياتهم التاريخية التي ساهمت في تطوير المجتمع في شتى المجالات، سواء منها المجال العلمي أو الأدبي أو الاجتماعي... ولذالك ترونهم يقيمون التماثيل التذكارية للأطباء والفلاسفة والأدباء والشعراء... وعياً منهم بأن هذا التخليد والاحتفال والتمجيد، سيشجع الأجيال المقبلة على العطاء أكثر لما في ذالك من تقدير لكل من يساهم في تطوير المجتمع، والارتباط بماضيها باعتباره مفخرة لهم، وباعتبار أن الأمة التي لا ماضي لها، هي أمة فاقدة للذاكرة، والأمة الفاقدة للذاكرة لا حظ لها في الحاضر والمستقبل، من هنا كان لزاماً علينا كأمة مطالبة بالتأمل في محيطها والاستفادة من تجاربه الإيجابية، أن نهتم بذالك وناخذ منه العبر والدروس... ينهي فضيلة السيد خطبته.      

jueves, 21 de agosto de 2014

خطبة الجمعة 18


ثقافة السب وأبعادها السلبية :

في خطبة الجمعة لهذا الأسبوع والتي أقيمت بمركز الإمام الهادي ببرشلونة، تطرق فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني بالدرس والتحليل الى موضوع : ثقافة السب وأبعادها السلبية، انطلاقأ من قول الله تعالى : ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴾. الأنعام. 108.

ذالك وبعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له، والصلاة على النبي الأكرم وآله الأطهار، وتلاوة سورة من القرآن الكريم، وتحريض الحاضرين على تقوى الله عز وجل، باعتبار أن الله سبحانه جل جلاله، إنما يقبل من المتقين، وأنه يقف الى جانبهم، وعنايته تحضر معهم في حلهم وترحالهم...

استهل فضيلته الخطبة الأولى بالحديث عن أن الاسلام جعل للإنسان حرمة بما هو إنسان تغطي كيانه كله، ومن هنا حرم جميع أنواع الاعتداءات التي من شأنها أن تطال هذا الكيان، أكان هذا النوع من الاعتداء اعتداء مادياً أو معنوياً، ﴿ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾. البقرة. 191. وحيث أن السب يعتبر عدواناً معنوياً كما هو متعارف عليه في التشريعات الحديثة أيضا، فإن منعه يقع في نطاق عموم هذه الاية الكريمة، لما يشكل السب من تحاوز لحقوق الغير، واعتداء صارخ على كرامته، أياً كانت منزلة هذا الغير الاجتماعية، وبغض النظر عن دينه وعن مرتبته داخل هذا الدين، فالمسألة إذاً تتجاوز الموقع الاجتماعي للشخص ورمزيته الدينية، لترتبط بحق من حقوقه كإنسان لا يمكن تجاوزه تحت أي مسوغ.

وبالرجوع الى الاية الكريمة، فإننا نجدها تتضمن هذا الفهم العام والشامل، ولذالك جاءت لتنهى عن سب المخالف في الدين باعتبار أن المانع من ذالك هي الحرمة الانسانية، ولترفض رفضاً قاطعاً أن يكون الانتماء الى الدين موقعاً يخول إهانة الناس والتعرض لكرامتهم، لأن هذا العمل في النهاية يسير عكس اتجاه الأهداف المسطرة دينياً، والتي من أهمها خلق التعارف بين بني البشر على اختلاف ألوانهم ومعتقداتهم... فالسب يخلق العداوة والكراهية، وكلها عوامل قد تؤدي الى الاحتراب والاقتتال، ومن ثم القطيعة.

وإذا كان هذا هو المنطلق في التعامل مع عامة الناس المتدين منهم وغير المتدين، فمن باب أولى وأحرى أن يرتفع هذا السلوك القبيح من بين المتدينيين، بحكم أن التدين هو مدعاة للخلق الحسن، وللتعايش والتسامح، بل حتى ولو كان السب حقاً في سياق الرد والمعاملة بالمثل، فإن هذا الحق يجب أن يؤخذ عبر القنوات المخصصة لذالك كالقضاء وغيره، بل أكثر من ذالك ان المطلوب من المتدين بحكم الاخلاق الدينية وبحكم اتخاذ النبي والائمة عليهم السلام أسوة، ان يترفع عن السقوط في الرد، ويتمثل في ذاته قول الله عز وجل : ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾. البقرة. 237. وقوله تعالى : ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴾. النحل. 126.

لكن وحيث أن هذه الظاهرة السيئة تنتشر بين المتدينيين بسب اختلاف المذاهب والمدارس، فإن ذيل هذه الاية الكريمة، جاء لينبه الى نكتة مهمة، وهو أن سبك للآخر من منطلق الأرضية المذهبية أو العقدية، هو دعوة له كي يتعرض الى معتقداتك بالسب أيضاً، لأن الكل معجب بمعتقده ولو كان ذالك المعتقد في نظرك أمر تافه، فهو كبير في نظر من يعتقد به، وهو المقصود بقوله تعالى في ذيل هذ الاية : ﴿ كذالك زينا لكل أمة عملهم ﴾. الأنعام. 108.

وعلى هذا الوعي سارت توجيهات النبي الأكرم والأئمة الأطهار في الناس، فقد كانوا ينهون أتباعهم عن سب الآخر حتى ولو كان هذا الآخر من أعدائهم المجاهرين بعداوتهم لهم، أي ولو كان منطلق السب هو التقرب الى النبي وآله والبراءة من أعدائهم، فقد روي أنه قيل للإمام الصادق عليه السلام، يابن رسول الله، إنا نرى رجلاً يعلن بسب أعدائكم ويسميهم، فقال عليه السلام : « ماله يعرض بنا ». فإن كانت الاخلاق الحميدة تقتضي الترفع عن السقوط في المستويات التافهة بالانسياق وراء الرد عليها، فإن الاستنكار هنا في هذه الرواية، جاء بعلة أن هذا العمل من هذا الموالي، سيتحول الى إساءة عظيمة لآل بيت النبي عليهم السلام والتعريض بهم من حيث قصد الدفاع عنهم. وهذا ما أكده أيضاّ الامام الصادق عليه السلام من خلال تفسيره للآية موضوع خطبتنا بقوله : « لا تسبوهم فإنهم يسبون عليكم ». وفي هذا الاتجاه أيضاً سارت رواية للنبي الأكرم عليه السلام حيث قال : « ياعلي، من سبك فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله ».

وأما الخطبة الثانية، فقد استهلها فضيلة السيد بالحديث عن التمييز بين السب واللعن، حيث ذكر أن اللعن لا يعني السب أبداً، وانما المقصود منه الدعاء بالطرد من رحمة الله، وهذا ما يفهم من قوله تعالى : ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ﴾. البقرة. 161. إذ لا يعقل أن ينهى الله عن السب في موضع ويبيحه في موضع آخر، ومع هذا وإن كان اللعن بهذا المفهوم، يجب أن لا يتحول الى ورد يومي يخرجه الموالي كل يوم ليتقرب به الى آل بيت النبي عليهم السلام، ويتبرأ به من أعدائهم، لأن البراءة موقف يعلنه المرء بوضوح وليس سلوكاً أو ورداً من الأوراد، فالتقرب ومودة آل بيت النبي تكمن في اتباع سلوكهم والتأسي بأخلاقهم، وأخلاقهم كانت دائماً الصفح عن أعدائهم والعفو عنهم مع تمييزهم وتحديددهم، وهذا ما حفلت به السير والتاريخ عنهم، فقد روي أن رجلا تعرض الى الامام زين العابدين عليه السلام بشتى أنواع السب والقدف، لكن الامام عليه السلام لم يقم بلعنه، وإنما تجاهله، غير ان الرجل لم يكتف بذالك، فقال له ياهذا، إياك أعني، فرد عليه الامام قائلاً : وعنك أغضي، فهل هذا يعني أن الامام سلام الله عليه كان عاجزاً عن رد هذا العدوان ولو في خلوته حتى ياتي الموالي لينتقم له، وهذا مالم يثبت عنه، أم انه تخلق بخلق القران الذي يقول : ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام ﴾. الزخرف. 89. وهذا مانبه اليه أمير المومنين عليه السلام أتباعه في معركة صفين، حين بلغه أنهم يسبون ويلعنون جيش الشام، فنهاهم عن ذالك وقال : « كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين... ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا... ». فالإمام هنا يريد أن ينشئ مسألتين أساسيتين : الأولى أن اللعن وإن كان يتميز عن السب باعتباره أمر مشروع، فإنه لا ينبغي أن يتحول الى سلوك وورد يجعل من صاحبه لعاناً، أي شغله الشاغل هو لعن الناس. والثاني تمييز السب واللعن عن النقد، إذ ان النقد يتوجه الى العمل ولا يتوجه الى الشخص أبداً، ولذالك قال : لو وصفتم مساوئ أعمالهم... ومن هنا فإن النقد هو أمر مطلوب، ويمكنه ان يطال أعمال جميع الناس حتى ولو كانوا صحابة الا المعصومين عليهم السلام. ومن يقل غير هذا فإنه مطالب بأن ياتي بنصوص عن الائمة عليهم السلام، تثبت أنهم جعلوا من لعن أعدائهم وسبهم وردا يومياً تقربوا به الى الله كما كانوا يتقربون بالصلوات والأدعية وكل أنواع المعروف، واما ما يرد عن البعض من روايات تنسب الى الائمة يوصون فيها أتباعهم بلعن أعدائهم، فمعظمها مردود لسبب بسيط، وهو انه لو كانت صحيحة، لتلبس بها الائمة قبل أتباعهم، لان النبي والامام والرسالي والمصلح، يتلبس بما يدعو الناس اليه قبلهم، وهذا مالم يثبت عنهم في هذا المقام.

لذالك فالبنسبة لنا الترفع عن السب عقيدة اسلامية قبل ان تكون توجيهاً من جهة ما، أو اتباعاً لمرجعية وانتصاراً لها مقابل أخرى، ولا نحتاج في ذالك سوى البحث في القران الكريم وسنة النبي والعترة الطاهرة عليهم السلام لرفع الإشكال ينهي بذالك فضيلة السيد.

   

miércoles, 13 de agosto de 2014

خطبة الجمعة 17



اختيار الصديق، خطوة على طريق النجاح :

في خطبة الجمعة لهذا الأسبوع والتي أقيمت بمركز الإمام الهادي ببرشلونة، تناول فيها فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني خطيب المركز ورئيسه بالدرس والتحليل موضوع : اختيار الصديق، خطوة على طريق النجاح، انطلاقاً من قول الله جل جلاله : ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين ﴾ الزخرف. 67. ذالك وبعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي الأكرم وآله الأطهار، وتلاوة سورة من القرآن الكريم، وتذكير الحاضرين بأهمية تقوى الله في حياة المومن كزاد يتزود به في سفره الدنيوي، وكسلم يرتقي من خلاله ليتبوأ المناصب العليا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

افتتح فضيلته الخطبة الأولى بأهمية انفتاح المرء على محيطه وحاجته الى مجتمعه من خلال إنشاء صداقات، لا من جهة كون الانسان اجتماعي بطبعه كما يذهب الى ذالك بعض الفلاسفة، وإنما من جهة الوعي أن المرء لا يستطيع تلبية جميع احتياجاته ومصالحه لوحده، وإنما يحتاج في ذالك الى الآخرين، ولو استطاع الى ذالك سبيلاً لما أنشأ علاقة واحدة. ومهما يكن من أمر، فإن المهم في ذالك هو أن يختار الإنسان صديقه لا أن يفرض عليه، وأثناء عملية الاختيار، لا بد أن يراعي في ذالك بعض الشروط في الصداقة، كالاستقامة والأخلاق... لأن الصداقة لها تأثير مباشر على مستقبل المرء، إذ كيفما يكن صديقك تكن أنت، ذالك أن للمحيط تأثير عجيب على المرء يتجاوز قدرة العقل أو تأثيره، فقد يتصور الإنسان أحياناً أن نبوغه وذكاءه ورجحان عقله قد ينجونه من مؤثرات المحيط، وهذا عكس ما تذهب اليه الدراسات الاجتماعية التي أقيمت في هذا المجال، والتي أثبتت أن جاذبية المحيط هي أكثر قوة من تأثيرات العقل، كما أن القرآن نفسه يؤكد هذه المسألة، فقد قال الله تعالى : ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ﴾. سبأ. 47. ذالك أن النبي الأكرم وهو يدعو قريشاً الى دعوة الاسلام، كان يحدث أن يتأثر بعضهم بما يسمعه من تلاوة آي القرآن الكريم، فيمدحه لما يترك في نفسه أثر ذالك الاستماع، لكن سرعان ما يتراجع عن ذالك عندما يتلقى استهجاناً من جماعة محيطه، فنزل القرآن الكريم ينبه النبي الى دعوة هؤلاء للابتعاد عن المحيط والتفكير في القضية فرادى... لما للمحيط من قوة الجاذبية على المرء. وهو نفس الأمر الذي أكدت عليه بعض الروايات النبوية الشريفة، حيث ورد عن النبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة والسلام قوله : « المرء على دين خليله ». ورواية أخرى في نفس السياق عن أمير المومنين علي عليه السلام حيث يقول : « الصديق قبل الطريق، أو الرفيق قبل الطريق ».

من هنا فالمحيط ومن حلال الصداقة، يتدخل في صناعة مصير الإنسان دون شك، ولما كان الأمر كذالك، فإن العقل يقتضي الوعي التام بهذه القضية، وهذا يقتضي أن يتحرك الانسان من أجل اختيار أصدقائه ليعينوه على صناعة واقع يضمن مصيراً محموداً، والحفاظ على ما قد يتلقاه في بيته من قيم تعود عليه وعلى الآخر بالمنفعة...

والاسلام ووعياً منه بخطورة هذه القضية، لم يكتف بالتوجيه فيها بالجانب النظري فحسب، وإنما أتى بمشهد من مشاهد يوم القيامة يحاكي فيه نتائج الصداقة ونوعيتها على الأخلاء في قوله تعالى : ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون، قال هل أنتم مطلعون، فاطلع فرءاه في سواء الجحيم، قال تالله إن كنت لتردين، ولولا نعمت ربي لكنت من المحضرين ﴾. الصافات. 51. 52. 53. 54. 55. 56. 57. كما أن هذا المشهد يزكي معنى الاية التي انطلقنا منها في هذه الخطبة، وهي أن معظم الصدقات آيلة الى السقوط، الا صداقة المتقين.

وأما الخطبة الثانية، فقد خصصها فضيلة السيد للحديث عن ضرورة إعداد المرء لنفسه لكي يكون صديقاً في المستوى لجميع الناس، بحيث أنه إذا لم يهتم الانسان بنفسه قيمياً وأخلاقياً، فإنه من الصعب الحصول على أصدقاء يعينون على استمرار الأخلاق الحسنة في المجتمع، وعلى تخطي الصعاب ونوائب الدهر، فبناء الصداقات الإيجابية يبدأ بإعداد النفس إعداداً إيجابياً.

كما أن الصديق الحسن، لا يعني بالضرورة الانسان المتدين، بل قد يكون الصديق صديقاً في المستوى المطلوب دون أن يكون متديناً، لكن وحيث أن التدين من شأنه أن يرفع من مستوى الاخلاق لما لارتباط العبادة بالتربية، لذالك ينصح دائماً باختيار الصديق المتقي، لكن هذا لا يعني أبداً اختيار الصداقة على أساس طائفي أو مذهبي، وإنما المعيار في ذالك حسن الخلق والاستقامة، سواء كان مصدرها التدين أو غير ذالك.

وعلى هذا فإن المطلوب من المومن أن يحسن خلقه ليطرح نفسه صديقاً لكل الناس، يعولون على صداقته في الشدة والرخاء، وخاصة في وقتنا هذا الذي أصبحت فيه الصداقة يتيمة، ولم يعد يثق الانسان حتى في أقرب الناس اليه، من جراء الدوس على القيم من لدن عبدة المادة والمتدينين الجاهلين يختم فضيلة السيد.    

miércoles, 6 de agosto de 2014

خطبة الجمعة 16


حقيقة الشكر لله :

في خطبة الجمعة لهذا الاسبوع والتي أقيمت بمركز الامام الهادي ببرشلونة، تناول فضيلة السيد العربي البقالي الحَسَني موضوع : حقيقة الشكر لله، إذ بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله الأطهار عليهم السلام، وتحريض الحاضرين على تقوى الله وأهمية ذالك في حياة المومن، وخصوصاً مع العلم بأن التقوى مراتب متعددة، وهذه المراتب هي من تتوج موقع الانسان، بحيث ان المرتبة التي يتبوؤها في الدنيا ومن خلال عمله، هي من تحدد موقعه يوم الحساب.

انتقل فضيلته الى الحديث عن حقيقة الشكر لله، حيث بدأ بتعريف الشكر لغة والذي هو : الثناء، يقال شكرت فلاناً، أي : أثنيت عليه، ويكون هذا الثناء مقابل شيء تلقيته، من هنا فالشكر الموجه لله هو مقابل النعم التي أسبغها على عباده، وهذا الشكر قد يكون لفظاً، كما قد يكون عملاً، وهو أحسن أساليب الشكر.

ذالك أن العبد مطالب بمواجهة النعمة بالعمل بمقتضاها وهو الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، بل والزيادة على ذالك بالتقرب الى الله بالنوافل، سيراً على هدي النبي الأكرم الذي كان يجهد نفسه في عبادة الله، فيسأل عن ذالك رغم أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه فيجيب : « أفلا أكون عبداً شكوراً ». وحتى يكون شكر العبد هذا مدعاة لزيادة النعمة ودوامها عملا بقوله تعالى : ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾. إبراهيم. 7. ويكون أصدق من الاقتصار على ترديده لفظاً، غير أنه لما كانت نعم الله عز وجل من الأمور التي يصعب عدها وحدها بحد ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾. إبراهيم. 34.  فإن مقابلتها بالشكر كان من أصعب الأمور، بل إنه من الأمور المستحيلة إذا علمنا أن الشكر لله في حد ذاته هو نعمة من عند الله أنعمها على عبده الشكور، لذا كان أفضل مراتب الشكر هو الوصول الى قناعة واستنتاج كون الشكر في عمقه هو : العجز عن شكر الله سبحانه وتعالى.

وللشكر مصاديق متعددة، منها أن يظهر العبد أثر النعمة على نفسه وأن يحدث بها : ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾. الضحى. 11. ومن ذالك معرفة قيمة النعمة ومصدرها، فقد ورد في بعض الروايات عن أمتنا عليهم السلام قولهم : « ومن عرفها بقلبه فقد أدى شكرها ». وعلى هذا فإنه لو ألقى الانسان منا نظرة على ما يجري في هذا العالم من حوله، من ظلم وجور، وانعدام الامن والاستقرار في معظم بلداننا الاسلامية والعربية، واضطهاد للناس وممارسة التمييز ضدهم بسب معتقداتهم، فإنه سيعي أن الهجرة الى هذه البلدان الآمنة التي نعيش فيها، كانت نعمة من عند الله يجب شكرها، لأن الأمن الاجتماعي والسياسي المتوفر بهذه البلدان، هي مقدمات للحصول على الأمن الروحي الذي تفتقر اليه معظم شعوب العالم، وشكر هذه النعمة يكمن في معرفتها، ثم تقديرها حق قدرها، إذ أن إيجابيات الهجرة، يجب أن لا تحصر في الجانب المادي الصرف، بل إن أهم إيجابية فيها، يكمن في التمتع بالحرية في التعبير عن الرأي، وممارسة المعتقد بشكل حر ودون قيود... لذالك كان الوعي بهذه القضايا، هو شكر لله، وواجب الحفاظ عليها والدفاع عنها وتبنيها كقضايا إنسانية ينص الدين على ضرورة احترامها وإقرارها، هو مستوى آخر من مستويات الشكر لله والذي يعكس معرفة معنى الشكر وحقيقته يضيف فضيلة السيد.

وأما الخطبة الثانية، فقد خصها فضيلته للحديث عن شكر الناس كمعبر لشكر الله جل وعلا، ذالك أنه من معرفة حقيقة الشكر، أن تتوجه بالشكر والامتنان الى كل من أسدى لك معروفاً أو قدم لك خدمة، لأن في ذالك شكر عملي لله وليس استصغار للنفس واحتقارها كما قد يفهم البعض، وهذا ما جاء صريحاً في بعض الروايات الواردة عن أئمتنا سلام الله عليهم، حيث ورد في الكافي والبحار أن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة : « أشكرت فلاناً؟ ( واسطة النعمة ) فيقول : بل شكرتك، فيقول : لم تشكرني إذ لم تشكره، فأشكركم لله أشكركم للناس ».

من هنا فما نراه في واقعنا اليومي من سلوك صادر عن بعض المسلمين تجاه أرباب عملهم، والذين ينعتونهم بالكفار، أو ما شابه ذالك، بعد أن يكونوا قد أمنوا لهم فرصة شغل ومصدر دخل، وغير ذالك من المعروف، هو عين الكفر بنعم الله، وقمة الجحود بها، وجهل حقيقي بحقيقة الشكر وتعاليم الاسلام.

وكم من معروف ارتفع من بين الناس بسب الكفر به بعد أن كان عرفاً سائداً، وليس ذالك الا من الجهل بحقيقة الشكر التي هي الضامن الأساسي لاستمرار النعم وزيادتها، وتعود على الشاكر بالمنافع قبل غيره، ﴿ من شكر فإنما يشكر لنفسه ﴾. النمل. 40. منهياً بذالك فضيلة السيد خطبته.        

domingo, 3 de agosto de 2014

أنشطة 3






قداس ديني مشترك :

نظمت يوم السبت 2 أغسطس مؤسسة شيبري للأعمال الخيريرية بمدينة غرانويرش، قداساً دينياً مشتركاً ساهمت فيه مختلف التمثيليات الدينية بالمدينة، غايته خلق أجواء أخوية ما بين جميع هذه الفاعاليات وكسب رهان التعايش الذي هو مطمح الجميع، وقد كان مركز الامام الهادي من بين المؤسسات التي دعيت للمشاركة في هذا النشاط، وتمثلت مساهمته في أداء أنشودتي : طلع البدر علينا، وزينب في الطفوف تنادي، وقد قام بأدائها أطفال وتلامذة المركز، حيث كانت مساهمتهم رائعة تفاعل معها جميع الحاضرين، بل إن هذه المساهمة استطاعت سرقة أضواء هذا اللقاء.

والصور المنشورة أعلاه تظهراً جانباً من هذا اللقاء.